أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

206

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المضاف إليها أفعل : إمّا أن تكون جامدة أو مشتقة ، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو : الزيدان أفضل رجلين ، الزيدون أفضل رجال ، الهندات أفضل نسوة . وأجاز المبرد إفرادها مطلقا وردّ عليه النّحويون . وإن كانت مشتقة فالجمهور أيضا على وجوب المطابقة نحو : « الزيدون أفضل ذاهبين وأكرم قادمين » ، وأجاز بعضهم المطابقة وعدمها ، أنشد الفراء : 411 - وإذا هم طعموا فألأم طاعم * وإذا هم جاعوا فشرّ جياع « 1 » فأفرد في الأول وطابق في الثاني . ومنه عندهم : « ولا تكونوا أوّل كافر به » « 2 » . إذا تقرّر هذا فكان ينبغي على قول الجمهور أن يجمع « كافر » ، فأجابوا عن ذلك بأوجه ، أجودها : أنّ أفعل في الآية وفي البيت مضاف لاسم مفرد مفهم للجمع حذف وبقيت صفته قائمة مقامه ، فجاءت النكرة المضاف إليها أفعل مفردة اعتبارا بذلك الموصوف المحذوف ، والتقدير : ولا تكونوا أول فريق - أو فوج - كافر ، وكذا : فألأم فريق طاعم ، وقيل : لأنه في تأويل : أوّل من كفر به ، وقيل : لأنه في معنى : لا يكن كلّ واحد منكم أول كافر ، كقولك : كسانا حلّة أي : كلّ واحد منا ، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا فلا يراد : ولا تكونوا أول كافر بل آخر كافر . ولمّا اعتقد بعضهم أنّ لها مفهوما احتاج إلى تأويل جعل « أول » زائدا ، قال : تقديره ولا تكونوا كافرين به ، وهذا ليس بشيء ، وقدّره بعضهم بأنّ ثمّ معطوفا محذوفا تقديره : ولا تكونوا أول كافر به ولا آخر كافر ، ونصّ على الأول لأنه أفحش للابتداء به ، وهو نظير قوله : 412 - من أناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع « 3 » لا يريد أن فيهم فحشا آجلا ، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلا ولا آجلا . والهاء في « به » تعود على « ما أنزلت » وهو الظاهر ، وقيل : على « ما معكم » وقيل : على الرسول عليه السّلام لأنّ التنزيل يستدعي منزّلا إليه ، وقيل : على النعمة ذهابا بها إلى معنى الإحسان . قوله : بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا متعلّق بالاشتراء قبله ، وضمّن الاشتراء معنى الاستبدال ، فلذلك دخلت الباء على الآيات ، وكان القياس دخولها على ما هو ثمن لأنّ الثمن في البيع حقيقته أن يشتري به لا أن يشتري لكن لمّا دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك ، لأنّ معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلا والمجرور بالباء زائلا . وقد ظنّ بعضهم أنّ « بدّلت الدرهم بالدينار » وكذا « أبدلت » أيضا أنّ الدينار هو الحاصل والدرهم هو الزائل ، وهو وهم ، ومن مجيء اشترى بمعنى استبدل قوله : 413 - كما اشترى المسلم إذ تنصّرا « 4 » وقول الآخر :

--> ( 1 ) البيت لرجل جاهلي كما في النوادر ( 152 ) ، وانظر معاني القرآن للفراء ( 1 / 33 ) ، والطبري ( 1 / 562 ) ، البحر ( 1 / 177 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 41 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 177 ) . ( 4 ) ذكره الزمخشري في الكشاف ( 1 / 131 ) .